تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تربية

أهمية المقدسات في حياة المسلم

١٥ يوليو ٢٠٢٦ · 7 دقيقة قراءة

→ كل المقالات

بقلم: الأكاديمية

أدوات القراءة

جعل الله تعالى في الإسلام مقدسات عظَّمها، وأمر المسلمين بتعظيمها واحترامها، وربط ذلك بتقوى القلوب. فالمقدسات في نظر المسلم ليست مجرد أماكن تاريخية أو رموز دينية، بل هي شعائر اختارها الله وشرَّفها، وأصبح تعظيمها عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه.

وقد دلت آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي ﷺ على أن تعظيم المقدسات دليل على قوة الإيمان، وأن الاستخفاف بها أو التقصير في احترامها يدل على ضعف تعظيم الله في القلب.

·       تعظيم المقدسات من تقوى القلوب.

·       مكانة المقدسات في الإسلام (المساجد، الكعبة، والقرآن الكريم).

·       تعظيم المقدسات في هدي النبي ﷺ.

·       الاعتدال في تعظيم المقدسات دون غلو.

·       أثر تعظيم المقدسات في حياة المسلم.


تعظيم المقدسات من تقوى القلوب

قال الله تعالى:

﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].

توضح هذه الآية أن تعظيم شعائر الله علامة على تقوى القلب. وقد بيَّن المفسرون أن شعائر الله تشمل كل ما عظَّمه الله وجعله علامة على دينه، مثل الأماكن المقدسة، والعبادات، والمناسك، وكل ما أمر الله بتوقيره واحترامه.

وذكر الإمام ابن كثير أن تعظيم هذه الشعائر نابع من تعظيم العبد لربه، وأن صلاح القلب يظهر في احترام ما عظمه الله.

وقال تعالى أيضًا:

﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30].

فهاتان الآيتان تبينان أن احترام المقدسات ليس مجرد شعور في القلب، بل عبادة تظهر في الأقوال والأفعال.

من أعظم المقدسات بيوت الله

المساجد من أعظم المقدسات في الإسلام، فقد قال الله تعالى:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: 36].

وقال سبحانه:

﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18].

وجاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:

«أحبُّ البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها.»

و عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:

"مَن بنى للهِ مسجِدًا ولو كمَفْحَصِ قَطاةٍ بنى اللهُ له بيتًا في الجنَّةِ" صححه شعيب الأرناؤوط في تخريج صحيح ابن حبان 1610

وتدل هذه النصوص على المكانة العظيمة للمساجد، وأن تعظيمها يكون بالمحافظة على نظافتها، واحترام حرمتها، وإقامة الصلاة فيها، والابتعاد عن كل ما لا يليق بقدسيتها.


تعظيم الكعبة والبيت الحرام

للكعبة المشرفة والبيت الحرام منزلة عظيمة في الإسلام، قال الله تعالى:

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 96].

وقال سبحانه:

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: 125].

وجاء في الصحيحين، أن النبي ﷺ قال:

" ولا تُشَدُّ الرِّحالُ إلَّا إلى ثَلاثةِ مَساجِدَ: مَسجِدِ الحَرامِ، ومَسجِدي، ومَسجِدِ الأقصى." أخرجه البخاري (1864)، ومسلم (827)

تعظيم النبي ﷺ للبيت الحرام في الحج والعمرة، فقد كان يلتزم بآداب الحرم، ويحرص على أداء المناسك كما أمر الله، وقال:

لتَأخُذوا مَناسِكَكُم؛ فإنِّي لا أدري لَعَلِّي لا أحُجُّ بَعدَ حَجَّتي هذه.صحيح مسلم1297.

فكان ﷺ أعظم قدوة في تعظيم شعائر الله والالتزام بها.


تعظيم القرآن الكريم

القرآن الكريم هو أعظم مقدسات هذه الأمة؛ لأنه كلام الله تعالى الذي أنزله هدايةً للبشر.

قال تعالى:

﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ۝ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ۝ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 77-79].

وقال سبحانه:

﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2].

وجاء عن عثمان رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:

¾      خيرُكُم مَن تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمَهُ  أخرجه البخاري (5027)، وأبو داود (1452)، والترمذي (2907)

وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

¾      "اقرَؤوا القُرآنَ؛ فإنَّه يَأتي يَومَ القيامةِ شَفيعًا لأصحابِه " صحيح مسلم 804

ولا يقتصر تعظيم القرآن على حفظ المصحف أو الاعتناء به، بل يكون بالإيمان بأنه كلام الله، وقراءته، وتدبره، والعمل بأحكامه، والدعوة إلى هدايته.


تعظيم المقدسات من هدي النبي ﷺ

كان النبي ﷺ أعظم الناس تعظيمًا لشعائر الله، ومن يقرأ كتاب زاد المعاد يرى ذلك واضحًا في سيرته.

فقد كان يعظم الحرم المكي، ويحافظ على حرمة المساجد، ويوقر الأشهر الحرم، ويلتزم بجميع آداب المناسك، ويؤدي العبادات بإجلال وخشوع، لا على سبيل العادة.

ومن ذلك قوله ﷺ:

"إنَّ دِماءَكُم وأموالَكُم وأعراضَكُم وأبشارَكُم علَيكُم حَرامٌ، كَحُرمةِ يَومِكُم هذا، في شَهرِكُم هذا، في بَلَدِكُم هذا" أخرجه مسلم (1679)

فشبَّه النبي ﷺ حرمة المسلم بحرمة الزمان والمكان المقدسين، مما يدل على عظمة الحرمات في الإسلام.


التعظيم المشروع لا الغلو

تعظيم المقدسات لا يعني الغلو أو الابتداع، بل يكون وفق ما شرعه الله ورسوله.

وقد أوضح علماء أهل السنة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم، أن تعظيم شعائر الله يكون باتباع السنة، دون إضافة عبادات أو ممارسات لم يشرعها الله؛ لأن العبادات تقوم على الاتباع لا على الابتداع.

ولهذا حذر النبي ﷺ من الغلو فقال:

"إياكم والغُلُوَّ في الدينِ ، فإِنَّما هلَكَ مَنْ كانَ قبلَكُم بالغُلُوِّ في الدينِ" أخرجه أحمد (1851) صحيح الجامع2680

فالمسلم يعظم المقدسات كما أمر الله، دون إفراط أو تفريط، محافظًا على صفاء التوحيد.


مكانة المقدسات في فقه الأولويات

من المهم أن يدرك المسلم أن تعظيم شعائر الله ليس أمرًا شكليًا أو مظهرًا خارجيًا، بل هو من المقاصد العظيمة للشريعة الإسلامية؛ لأنه يحفظ مكانة الدين في القلوب، ويغرس احترام أوامر الله، ويقوي هوية الأمة الإسلامية.

فكلما ازداد تعظيم الشعائر في القلوب، كان المسلم أكثر حرصًا على طاعة الله، والابتعاد عن معصيته، ولذلك جعل الله تعظيمها من علامات التقوى.


تمثل المقدسات في الإسلام مدارس تربوية تغرس في المسلم تعظيم الله، وتربيه على طاعته والانقياد لأوامره. وقد ربط القرآن الكريم بين تعظيمها وتقوى القلوب، وجاءت سنة النبي ﷺ لتبين هذا المعنى قولًا وعملًا.

ولهذا ينبغي لكل مسلم أن يعرف مقدسات دينه، ويوقرها، ويعلم أبناءه احترامها، ويلتزم في تعظيمها بما جاء في القرآن والسنة، فيبتعد عن التفريط والغلو، مقتديًا بالنبي ﷺ الذي جمع بين كمال التعظيم وكمال الاتباع.

راسلنا على واتساب