تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تربية

الصبر في بر الوالدين... خلق الأنبياء والصالحين

١٤ يوليو ٢٠٢٦ · 5 دقيقة قراءة

→ كل المقالات

بقلم: الأكاديمية

أدوات القراءة

جعل الإسلام بر الوالدين من أجلِّ العبادات وأعظم القربات، حتى قرن الله سبحانه حقهما بحقه في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23].

ولأن بر الوالدين ليس مجرد مشاعر، بل سلوك عملي يظهر في المواقف اليومية، كان الصبر من أهم الأخلاق التي تعين على تحقيق هذا البر، خاصة مع تقدمهما في العمر، وما يصاحبه من ضعف في الجسد، أو تغير في الطباع، أو كثرة في الاحتياجات. ففي هذه المرحلة تتجلى حقيقة الإحسان، ويظهر صدق الوفاء لمن كان سببًا – بعد الله – في وجود الإنسان وتربيته.

·        مكانة بر الوالدين في الإسلام.

·        الصبر من أعظم صور البر.

·        هدي النبي ﷺ في بر الوالدين والإحسان إليهما.

·        صور عملية للصبر مع الوالدين.

·        كيف يعين استحضار فضل الوالدين على الصبر؟

·        البر لا يسقط مع وجود الخلاف أو التقصير.


الصبر مظهر من مظاهر البر

قد يسهل على الإنسان أن يبر والديه في أوقات الراحة، لكن الامتحان الحقيقي يكون عند المشقة، حين يحتاجان إلى مزيد من الرعاية، أو يكرران الحديث، أو ينسَيان، أو يطلبان المساعدة مرارًا.

ولهذا وجَّه القرآن إلى أعلى درجات الأدب مع الوالدين، فقال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23].

فإذا كان الله قد نهى عن أقل كلمة تدل على التضجر، فإن ما هو أشد منها من الغضب أو الإساءة أولى بالمنع، وهذا يدل على أن الصبر مع الوالدين ليس خلقًا مستحبًا فحسب، بل هو من تمام البر الذي أمر الله به.


الصبر في هدي النبي ﷺ

جاءت السنة النبوية مؤكدة لعظيم منزلة بر الوالدين، وأنه من أحب الأعمال إلى الله.

فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي ﷺ: «أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟» قال: «الصلاة على وقتها»، قلت: ثم أي؟ قال: «برُّ الوالدين»، قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». متفق عليه.

كما قال ﷺ: «رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه». قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة». رواه مسلم.

وتبين هذه النصوص أن مرحلة كبر الوالدين ليست عبئًا على الأبناء، بل فرصة عظيمة لنيل رضا الله ورفعة الدرجات، إذا أحسنوا إليهما وصبروا على خدمتهما.


صور الصبر في بر الوالدين

يتجلى الصبر مع الوالدين في مواقف كثيرة، منها:

  • تحمل تكرار الحديث أو النسيان دون إظهار الضجر.

  • المبادرة إلى قضاء احتياجاتهما بطيب نفس.

  • حسن الاستماع إليهما، وعدم مقاطعتهما أو رفع الصوت عليهما.

  • كظم الغيظ عند اختلاف وجهات النظر، واختيار الكلمات اللطيفة في الحوار.

  • ملازمتهما عند الحاجة، والدعاء لهما في حياتهما وبعد وفاتهما.

فهذه الأعمال اليومية، وإن بدت يسيرة، هي من أعظم صور البر التي يحبها الله تعالى.


استحضار فضل الوالدين يعين على الصبر

من أعظم ما يعين الإنسان على الصبر مع والديه أن يتذكر ما قدماه له منذ طفولته؛ فقد سهرا على راحته، وتحملّا المشقة في تربيته، وقدما احتياجاته على احتياجاتهما.

ولهذا جاء الدعاء الذي علمنا الله إياه معبرًا عن هذا المعنى العظيم، فقال سبحانه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24].

فكلما استحضر الإنسان سنوات العطاء التي قضاها والداه في رعايته، هان عليه ما يبذله في خدمتهما، وأدرك أن ما يقدمه اليوم لا يساوي شيئًا أمام ما قدماه له بالأمس.


البر لا يسقط مع وجود التقصير

قد يختلف الأبناء مع والديهم في بعض الطباع أو وجهات النظر، وقد يقع من الوالدين شيء من التقصير أو الشدة، لكن ذلك لا يسقط حقهما في البر والإحسان.

وقد بين القرآن هذا الأصل حتى في حال اختلاف الدين، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15].

فالطاعة إنما تكون في المعروف، أما الإحسان وحسن الصحبة فلا يسقطان بحال.


الصبر في بر الوالدين مدرسة تربوية تهذب النفس، وتغرس فيها الرحمة، والوفاء، وحسن الخلق، وهو طريق إلى رضا الله وبركته في الدنيا والآخرة.

ومن صبر على والديه، وأحسن إليهما قولًا وعملًا، فقد امتثل لأمر الله، واقتدى بهدي نبيه ﷺ، وغرس في أبنائه أعظم درس عملي في البر والإحسان. ومن سنن الله في الحياة أن الجزاء من جنس العمل، ولذلك يرجو كل بار بوالديه أن يرزقه الله أبناءً يبرونه كما بر والديه، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60].

 

راسلنا على واتساب